محمد الغزالي

205

فقه السيرة ( الغزالي )

إنّ الرجل لا يقوم بالعمل العظيم وهو منساق إليه بالسياط الكاوية ، إنما تولد الإجادة ، ويبلغ الشيء درجة الإحسان بما يقارنه من رغبة ورضا . فإذا أقبل المرء بفكره وقلبه على معتقد وهب له نفسه وحسه ، وعاش يحلم به في منامه ، وينشط له في يقظته ، فذلك يرقى به صعدا في فهم مبدئه ، وإجادة خدمته . ومن ثمّ فإنّ الإسلام لا يحفل بالإيمان النظري البحت ، ولا يقبله إلا ليكون سلّما إلى ما بعده ، وهو الإيمان بالعقل والعاطفة معا . لا بدّ من تلوين الوجدان في قضايا الإيمان ، ليس بمسلم من يعرف اللّه ويكرهه ، ولا قيمة لمسلم يعرف اللّه ووجدانه خال باهت ، فلا إعجاب فيه ولا شكران ، كما أنه لا غمط فيه ولا جحود . والمسلم كلّ المسلم هو الذي يعرف اللّه معرفة اليقين ، ويضم إلى هذه المعرفة إحساسا يعترف بمجادة المجيد ونعماء المنعم ، تباركت أسماؤه ! . والإيمان بهذه المثابة هو الإيمان المنتج ، وهو صانع العجائب ، وباني الدول ، ومقيم الحضارات السنية ، هو الذي يجعل الفرد يستحلي التكاليف المنوطة بعنقه ، فيقبل على أدائها ، وكأنّها رغبات نفس لا واجبات دين . . أتظن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عندما قام يصلي حتى تورمت قدماه ، كان يغالب الألم الناتج في بدنه كما يغالبه التلميذ المذنب عندما يوقف الساعات الطوال معذبا مهانا ؟ . كلا . . كلا . . إنّ استعذابه للمناجاة ، واستغراقه في الخشوع ، أذهلاه عمّا به ، وغلبا على بوادر الألم الناشئ من طول الوقوف . والرجل الموفور الحماس ، الفائر العاطفة ، قد يظل يعمل ويدأب حتى يصل في عمله ودأبه إلى درجة يصعب منالها على القاعدين الباردين . ووزن الأمور عند أصحاب الإيمان والهمم غير وزنها عند أصحاب الريبة والعجز ، ألا ترى حذيفة بن اليمان عندما انطلق يتعرّف أحوال المشركين في غزوة الخندق ، في ليلة باردة قارصة الجوّ ، لافحة السبرات : لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * حتّى يلفّ على خيشومه الذّنبا ! لقد انطلق وهو يقول عن نفسه : كأنّما أسير في حمّام ! !